عمر فروخ
258
تاريخ الأدب العربي
البرّ الكسنيانيّ ليتكلّم فأخذته هيبة الموقف وأرتج عليه ثمّ سقط أرضا مغشيّا عليه . فقيل لأبي عليّ القالي ( ت 356 ه ) - ضيف عبد الرحمن الناصر - : « قم فارقع هذا الوهي » . فقام فحمد اللّه وأثنى عليه وصلّى على نبيّه ؛ ثمّ انقطع به القول فوقف ساكتا . فلمّا رأى منذر بن سعيد ذلك « قام من ذاته فوصل افتتاح أبي عليّ لأوّل خطبته بكلام عجيب وفصل مصيب يسحّه سحّا كأنّما يحفظه قبل ذلك بمدّة ، وبدأ من المكان الذي ( كان قد ) وصل إليه أبو علي البغدادي « القالي » ( النباهي 66 ) . فكانت تلك الخطبة سبيل حظوته عند عبد الرحمن الناصر . بعيد تلك الحادثة ، فيما يبدو ، عيّنه الناصر قاضيا في مدينة ماردة ثمّ جعله على قضاء الثغور الشرقية . وفي ربيع الآخر من سنة 339 ( مطلع خريف 950 م ) أصبح منذر بن سعيد قاضي الجماعة في قرطبة . ومع أنّ منذر بن سعيد كان من أتباع المذهب الظاهريّ ، فإنّه كان يقضي على مذهب الإمام مالك . وكان عادلا بين الخصوم شديدا في الحقّ لا تأخذه في اللّه لومة لائم . وقد بقي في القضاء ستّ عشرة سنة إلى حين وفاته في 28 من ذي القعدة من سنة 355 ( 15 / 11 / 966 م ) . ودفن في الربض الغربي من قرطبة قريبا من داره . 2 - كان منذر بن سعيد البلّوطيّ فقيها متفنّنا في ضروب العلم يعرف المذهب الظاهريّ ومذهب الإمام مالك قادرا في الجدل . وكان أديبا شاعرا مترسّلا له أشعار مطبوعة وخطب عجيبة ورسائل بليغة ، كما كان مؤلّفا . ومع متانة خلقه فقد كانت فيه دعابة حسنة . وشعره القليل الباقي في الزهد والشكوى من الدهر ومن الناس حينا وفي الفخر بالنفس حينا آخر . وشعره صحيح متين . أما خطبه فبارعة جدّا تغلب عليها السهولة وتتّسم بالتبسّط في القول والإتيان بالمعاني القليلة اليسيرة القريبة المتناول ممّا يسهّل على السامعين استيعابها فيكون ذلك أدعى إلى تأثيرها فيهم . ويزيد في تأثيرها في السامعين بروز العنصر الدينيّ فيها من الوعظ بالترغيب والترهيب وإخراج ذلك كلّه مخرج الخطاب للحاضرين مع كثرة الاستشهاد بالآيات .